ابن تيمية
438
مجموعة الفتاوى
نَفْسَهُ وَلَا يَضُرُّ اللَّهَ شَيْئاً } . وَمَكَّةُ نَفْسُهَا لَا يُدْفَعُ الْبَلَاءُ عَنْ أَهْلِهَا وَيُجْلَبُ لَهُمْ الرِّزْقُ إلَّا بِطَاعَتِهِمْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ . كَمَا قَالَ الْخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ { رَبَّنَا إنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ } . وَكَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُعَظِّمُونَ حُرْمَةَ الْحَرَمِ وَيَحُجُّونَ وَيَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ وَكَانُوا خَيْراً مِنْ غَيْرِهِمْ مِن المُشْرِكِينَ . وَاَللَّهُ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ . وَكَانُوا يُكْرَمُونَ مَا لَا يُكْرَمُ غَيْرُهُمْ وَيُؤْتَوْنَ مَا لَا يُؤْتَاهُ غَيْرُهُمْ لِكَوْنِهِمْ كَانُوا مُتَمَسِّكِينَ بِدِينِ إبْرَاهِيمَ بِأَعْظَمَ مِمَّا تَمَسَّكَ بِهِ غَيْرُهُمْ . وَهُمْ فِي الْإِسْلَامِ إنْ كَانُوا أَفْضَلَ مِنْ غَيْرِهِمْ كَانَ جَزَاؤُهُمْ بِحَسَبِ فَضْلِهِمْ وَإِنْ كَانُوا أَسْوَأَ عَمَلاً مِنْ غَيْرِهِمْ كَانَ جَزَاؤُهُمْ بِحَسَبِ سَيِّئَاتِهِمْ . فَالْمَسَاجِدُ وَالْمَشَاعِرُ إنَّمَا يَنْفَعُ فَضْلُهَا لِمَنْ عَمِلَ فِيهَا بِطَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ . وَإِلَّا فَمُجَرَّدُ الْبِقَاعِ لَا يَحْصُلُ بِهَا ثَوَابٌ وَلَا عِقَابٌ وَإِنَّمَا الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ عَلَى الْأَعْمَالِ الْمَأْمُورِ بِهَا وَالْمَنْهِيِّ عَنْهَا . وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ آخَى بَيْنَ سَلْمَانَ الْفَارِسِيَّ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَكَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ بِدِمَشْقَ وَسَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ بِالْعِرَاقِ فَكَتَبَ أَبُو الدَّرْدَاءِ إلَى سَلْمَانَ : هَلُمَّ إلَى الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ . فَكَتَبَ إلَيْهِ سَلْمَانُ : إنَّ الْأَرْضَ لَا تُقَدِّسُ أَحَداً وَإِنَّمَا يُقَدِّسُ الرَّجُلَ عَمَلُهُ . وَالْمُقَامُ بِالثُّغُورِ لِلْجِهَادِ أَفْضَلُ مِنْ سُكْنَى الْحَرَمَينِ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ .